‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقتطفات من كتاب. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقتطفات من كتاب. إظهار كافة الرسائل

صخور الآخرين


معظم مشاكلنا في التعامل مع الآخرين تأتى في خطأ في تفكيرنا نحن لا في تفكيرهم هم. فنحن نفكر في الناس دائماً كما لو كانوا مثلنا تماماً متطابقين معنا في كل الصفات النفسية والأخلاقية وبالتالي فإننا ننتظر منهم أن يتصرفوا معنا كما لو كانوا نحن وكنا هم.. فإذا جاء ما ننتظره منهم أقل مما نتوقعه صدمنا فيهم وتغيرت مشاعرنا تجاههم وخسرنا صفاء نفوسنا .. وربما خسرنا صداقتهم وتكرر هذا الخطأ دائماً مع إن كل إنسان هو وحدة قائمة بذاتها، لهذا فلابد أن تختلف ردود أفعالة إلى حد ما عن ردود أفعال الآخرين .. ومالم نعرف ذلك ونوطن أنفسنا على قبوله عانينا معهم واتهمناهم بالجحود وخسرنا سلامنا النفسي وازداد إحساسنا بالغربة ونحن وسط زحام الآخرين.



أن عالمي النفس ماك بين ورونالد جونسون يؤكدان أنه لا يوجد في الدنيا شخصان متماثلان تماماً في صفاتهم النفسية والجسمانية وأن كل إنسان يعتبر عديم النظير كبصمة إصبعه التي لا تتكرر فإذا عرفنا ذلك وفهمناه استرحنا وعشنا حياتنا بمعاناة أقل . وأفضل سلاح تستعين به على أن تعايش الآخرين في سلام هو أن تؤمن بأنك إنسان مختلف لكنك لست إنساناً متميزاً على الآخرين لان اختلافك عن الآخرين يقنعك باختلافهم عنك ويعينك على فهم تصرفاتهم المختلفة عن تصرفاتك ويساعدك على نقبلها وتلمس الأعذار لهم فيها.. أما إحساسك بالامتياز عنهم فلا يخلق لك سوى الأعداء!




يجب أن نؤمن مع أبى حيان التوحيدي بأن الحقيقة أكبر من أن يدركها عقل واحد .. وانه لو وضع فيل أمام عشرة أشخاص مكفوفين وتحسس كل منهم الجزء الذي يواجهه لقال أحدهم هذا خرطوم وقال الثاني هذا عاج وقال الثالث هذا حائط، وكل منهم صادق لأنه عبر عن الحقيقة كما أحسها هو بمدركاته وبعقلة المحدود. فإذا تفكرت في هذا المثال الذي أورده التوحيدي آمنت بأن كل رأى يحمل جانباً من الحقيقة وإن بدأ مخالفاً تماماً لما نعتقد انه الحق والصواب.. ولتعاملت مع آراء الآخرين بما تستحقه من احترام وبما يستحقونه من إنصاف وتقدير واجتنبت الكثير والكثير من الأخطاء والعثرات . فالحق إن الحياة ملاحة صعبه في نهر تعترضه الصخور والجنادل وكل إنسان يحتاج إلى أن يكون ملاحاً ماهراً ليقود سفينته الصغيرة فيه بحكمة بغير أن تتحطم على صخور الآخرين !




كان عمر بن الخطاب يقول : ضع أمر أخيك على أحسنه حتى يجيئك منه ما يغلبك على ظنك . أي توسم فيه الخير إلى أن يصدمك بشرة . وكان يقول عليك بإخوان الصدق فإنهم زينة فى الرخاء وعدة فى البلاء وكان يقول أيضاً لا تطلبن حاجتك إلى من لا يحب نجاحها لك ..




إني أتذكر دائما عبارة المفكر الفرنسي جان جاك روسو التي قال فيها : كان عندي ست نظريات لتربية الأبناء وليس عندي ولد واحد ، والآن صار عندي ستة أولاد وليس عندي نظرية واحدة لتربيتهم!
فإذا سألتني لماذا أتذكرها أجبتك بأني أنا أيضاً عندي ست نظريات للحياة بسلام مع الآخرين لكن كل أملى هو أن تنجح واحدة منها قبل أن ينتهي العمر!


أصدقاء آخر الزمان




ما الذي يكشف معادن الأصدقاء ؟


قلت : أعرف صديقي وقت محنتي أجده بجواري فى ساعة حزنى ،أشعر بيده تنتشلني من دوامة سقوطي .. حين تظلم الدنيا وتغلق أبوابها أجده أمامى ممسكا بشمعة صغيرة يحاول أن يفتح أبواب سجنى المغلقة .
الصداقة معدن نقى نختبر صلابته فى ساعات الشدة .. قد تجد حولك آلاف الأصدقاء إذا أقمت لهم حفلا ولكنك قد لا تجد شخصا واحداً منهم إذا واجهتك مشكلة. هناك أشخاص يعرفونك ويتقربون إليك ما دمت واقفا على قدميك ، حتى إذا سقطت انفضوا من حولك وربما ألقوا عليك الحجارة اما الأصدقاء الأصدقاء فقد لا تراهم فى أوقات سعادتك ولكنك تجدهم حولك فى ساعة محنتك.
وأنا أحزن كثيراً كلما ضاع منى صديق ، أشعر بأن خسارة المال تعوض ولكن خسارة الناس لا تعوض ، فقد تخسر مالاً وتعوضه ولكن خسارة الصديق لا تعوض.
قالت: كيف أختبر أصدقائي؟ إنني أحيانا أجد حولى مهرجاناً من البشر الكل يدعى انه صديق كيف اعرف من يخدعنى ومن يحبنى؟
قلت: ليس هناك وسائل محددة لكشف زيف الصداقات وخاصة أن الأقنعة أصبحت كثيرة والأدوار متشابهة والناس يجيدون التمثيل ولهذا فأنا أجلس عادة فى الصف الأخير لكي أشاهد المسرح والكل يؤدى دوره وانتظر لكى أرى نهاية الرواية . وعادة أجد أن ما بقى بين يدى من الأصدقاء أقل مما تصورت . فأنا أحزن كثيراً كلما خاننى أو تخلى عنى صديق ، فالصداقة مثل الحب عمل اختياري لا أنا فرضت عليه صداقتى ولا هو أجبرنى على أن أكون صديقاً له ..وليس فى الصداقة إتفاق مسبق ولكن هناك أختيار قد تحكمه الصدفة او العقل . إن الصداقة مثل الحب تقتحم أيامنا وقد يخدعك صديق نصف عمرك وتكتشف انه لم يكن أكثر من أكذوبة كبيرة وأن لغة المصالح هى التى ربطت بينكما وعندما سقطت المصالح سقط معها آخر أركان الصداقة.
قالت : كيف اختار اصدقائى ؟
قلت : نحن نعيش الآن أخر الزمان ولهذا مطلوب منك ان تبحثِ بين عشرات الأكوام من الأوراق المالية المزيفة عن ورقة واحدة صحيحة . مطلوب منكِ الا تحاولى أن تقطفى الزهرة الجميلة لآن وراء عطرها ثعباناً كبيراً.
مطلوب منكِ ألا تتركى خزائن أسرارك بين أيدى صديق قد يبيعك فى أول مزاد ، وقد يعرض أسرارك فى أول بوتيك يلتقى فيه مع رفاق السوء ، فما أكثر المذابح التى تتعرض لها الناس فى جلسات الأصدقاء يستباح العمر والسمعة والقيمة .. وفى كل ليلة ضحية جديدة تتسلل فى أعماقها الخناجر والكل يتحدث باسم الصداقة !
فالصداقة أحساس عميق فى داخلنا وليست مجرد أجندة تليفونات تجمع مئات الأرقام وعشرات العناوين والآف المصالح .. قد لا تجد فى أجندة تليفونك أسما واحداً تأتمنه على لحظة صدق أو سر من أسرارك.
لابد أن يكون الإنسان حريصاً فى اختيار أصدقائه وخاصة فى زماننا الغريب الذى يبباع فيه كل شىء ويستهان فيه كل المشاعر ويستباح فيه كل القيم وليس معنى ذلك أن كل الصداقات سقطت .. وكل الأصدقاء باعوا ولكن أعدادهم صارت قليلة فما اكثر الناس حولك .. وما اقل الأصدقاء.. الأصدقاء.


أشعر بوحدة شديدة كلما سقط منى صديق ، تزاد برودة الايام ويزداد الصقيع وتكسو تلال الجليد مساحة كبيرة فى أعماقي وكلما كفنت صديقاً تمنيت لو أعدت له الحياة ، لو وجدتة فجاه يستعيد نبضة وينهض واقفاً .. أتمنى وأنا اوسدة أيام عمرى أن اسمع كلمة عتاب او رجاء او تراجع ، ما أكثر الأصدقاء الذين ورايتهم في أعماقي وأنا حزين.. خسارة الصديق خسارة عمر .. والعمر لا يرجع أبداً للوراء.

الباحثون عن الكمال


الباحثون عن الكمال هم أتعس الناس في هذه الحياة إنهم مساكين فى هذا الزمن لأنهم غرباء !
وهذه القلة من البشر تعانى من مشاكلها مع الناس وتعانى من مشاكلها الخاصة.. فالإنسان حينما يصل إلى درجة من المعرفة يحاول أن يترجمها إلى سلوك.. والأفكار العظيمة كثيراً ما تصطدم بالواقع حينما تحاول أن تصبح وجودا حياً..
وما أكثر الأفكار التى عاش أصحابها تحت ظلالها وهم سعداء بها وظلت حبراً على ورق .. أما هؤلاء الفرسان الذين حاولوا أن يجعلوا من الفكر وجوداً فهم الذين دفعوا الثمن !! فمن السهل أن يقول الإنسان شيئاً ولا يفعله وأن يطالب الآخرين بأن يفعلوه ولكن الصعب دائماً أن تبدأ بنفسك وأن تفعل ما تقول ولان الكمال مساحة واسعة جداً من السلوك الانسانى فان قدرات الإنسان تظل محدودة فى الوصول إلى أعماقه البعيدة .
إنه يشبه البحار التى لا نصل إلى أعماقها ولا نعرف حدود شواطئها ولهذا يظل الباحثون عن الكمال فى حيرة مع أنفسهم ومع الناس لأنهم سلكوا طريق المعرفة وأصعب الأشياء أن تعرف لآن المعرفة تفتح فى أعماقنا أبواب التساؤل ولان التساؤل يقودنا للدهشة ولان الدهشة طريقنا للبحث والبحث ليس فى كل الحالات طريقاً مأموناً !
وهذا هو عبء المعرفة لان الذين لا يعرفون يجلسون فى مكان ما على رصيف الحياة لا يعنيهم من جاء ومن ذهب وما بقى وما ضاع إنهم يشبهون سكان المناطق البدائية ويتوقف بهم الزمن عند هذه المساحة الضيقة من الحياة . أما الانسان الذى عرف وشاهد وجرب فهو دائما فى حالة بحث عن الجديد واذا وصل إلى شيء حاول ان يتجاوزه واذا حقق حلماً زرع فى اعماقة حلما أخر.
فالانسان الذى يعرف يصبح اسيراً للمعرفة فهو أحب ولهذا لا يستطيع أن يعيش بغير مشاعر الحب ولأنة ذاق متعة الاشياء فهو لا يستطيع ان يعيش بعيداً عنها فهو يجد نفسه فى كتاب ويجدد شبابه كل يوم مع حدائق الالوان.. وتتحول المعرفة الى رغبة شديدة فى البحث عن المجهول وفى السفر دائماً فيما وراء الاشياء ويصطدام الانسان بالناس حوله انهم احيانا يرون فيه انساناً مجنوناً وهو يرى انهم مجموعات مختلفة من البشر جاءت لتأكل وتشرب وتنام وهو يحاول أن يفتح كل النوافذ والناس حوله يرون تحت أقدامهم وهم يرون أن سقف الحجرة هى اعلى نقطة فى هذا الكون ويرون الاشياء طقوساً وهو يرى الكون معنى.
ولهذا يعيش الباحث عن الكمال غريباً لانه اختار طريق المعرفة. والمعرفة عالم واسع رهيب لا تكفيه سنوات العمر وان طالت ولا يكفيه عقل الانسان مهما اتسع ! أما هؤلاء الذين اختاروا أن يعيشوا على ارصفه الحياة فهم أهدأ بالاً وأسعد حالاً لانهم يجيئون الحياة كما يرحلون عنها فقد اختاروا أن يكونوا على هامشها فى كل شىء. أما الباحثون عن الكمال فانهم يعانون متاعب الرحلة لانهم يحملون احزان زمانهم وما أكثرها. ولن يتساوى أبدأ من عاش مستكيناً على رصيف الحياة ومن دفع عمره ثمناً لرحلة البحث .

الكلمة.. كيف تباع ؟!





قالت: لم تعد للكلمة مكان فى زماننا , لقد تراجعت سطوتها , وانطفأ بريقها .. كل شىء فى الحياة الآن تحسمة القوة ويسقط أمام جبروت العلم .. فالناس يخشون القوة ويستكينون أمام إغراءات العلم . الإنسان يخاف من القنبلة .. ويتوه أمام سحر الفيديو والكمبيوتر . إنه يشعر بضألته أمام جندى يحمل مسدساً ويقف مذهولاً فاقد الوعى أمام سفينة الفضاء التى تخترق السماء فى رحلة للقمر.
أما الكلمات فلم تعد تغرى أحداً ..قد نرددها كثيراً فى أشعارنا ولكنها لا تحسم شيئاً.

قلت: حينما تختل الاشياء فليس معنى ذلك غياب الحقيقة . فإذا حملنا شخصاً , وألقينا به فى غرفة مظلمة , وقلنا له إن الشمس غابت ولن تعود , فليس معنى هذا أن الناس خارج غرفته لا يرون الشمس ولا يستمتعون بالنهار .
وفى دول العالم النائم – أقصد الثالث- نسى الناس ان هناك شيئاً اسمة الحرية ..وليس معنى أن الحرية غابت عن الدنيا كلها . فمازال فى العالم أصوات ترفض , وشعوب تثور , وحكومات تحترم إرادة الانسان !!
فإذا كان من صفات الجلاد أن يسجن أو يقتل , فمن حق الانسان أن يحلم وأن يرفع صوتة ..فقد يكون هذا الصوت أقوى من كل أسلحة الجلاد ..والصوت هو الكلمة .. والكلمة هى الانسان !
إن العلم يسحرنا .. والقوة تقهرنا .. ولكن الكلمة الشريفة تحررنا .. وسوف تبقى دائماً أوسع الطرق إلى الخلاص.

قالت : ولكن ماذا تفعل الكلمة أمام طاغوت القوة ؟

قلت : الكلمة حركة بطيئة ولكنها مضمونة فقد تأخذ منا عمراً طويلاً , ولكننا سوف نصل على أجنحتها يوماً ولو تأخر هذا اليوم وإذا لم نصل نحن فسوف تصل أجيال أخرى ستجىء بعدنا.
إن الكلمة تذكرنى بخيوط الحرير التى ننسجها فى سنوات طويلة من العمر وبقدر العمر الذى تأخذه بقدر ما يكون لها من قيمة . إن القوة تغير الاشياء فى لحظة .. ولكنها تبقى بعض الوقت ولا تبقى كل الوقت . والكلمة باقية .والقوة إلى زوال !
إن عضلات الإنسان أسرع رحيلاً ولكن عقلة أطول الاشياء عمراً وحينما يتوقف العقل يموت الانسان .والانسان يخشى القوة ولكنه يحترم الكلمة ..وما أبعد المسافة بين الخوف والاحترام. والانسان يكره الجبروت ويحل الارادة.. والكلمة تصنع الاراده ولكن القوة لا تصنع الارادة فى كل الاحيان وخاصة إذا كانت إرادة غاشمة وغبية .
والارادة أقوى من القوة لانها تسبقها ولانها أطول عمراً والسجان يملك أن يقطع رأسى ولكنه لا يستطيع أن يغتال كلماتى فى أعماق الناس .

قالت : ولكنى أقرأ الآن كلمات أشعر معها بالغثيان .. فهى لا تضيف شيئاً بل تمتهن عقل الانسان.

قلت : الحياة سوق للبيع والشراء .
يوجد فيها التاجر الشريف الذى يخشى الله .
والتاجر اللص الذى يستبيح أموال الناس .
وتوجد السلعة الجيدة ..والسلعة الرديئة.
ويوجد فيها الصادق و المزيف .. والنظيف والردىء.
ولن تتساوى الاشياء فى قيمتها ..وإن أختلت كل الموازين..
لن تتساوى كلمات يضعها الإنسان وساماً على صدره , مع كلمات يضعها الإنسان تحت حذائه.
لن تتساوى كلمات تسكن القلوب .. وأخرى تسكن سلة المهملات .
لن تتساوى كلمات تضىء كالنهار .. مع كلمات تطفىء كل الانوار .
لن تتساوى كلمات تعلم الناس الفضيلة .. وأخرى تفتح أمامهم كل أبواب الرذيلة .
لن تتساوى أبداً يا سيدتى كلمات تقال على المنابر وأخرى مكانها الاوكار والحانات .

قالت : مازلت تؤمن بالكلمة ؟

قلت : إنها عمرى ولن أعيش بعدها يوماً .


عقول الناس



العاقل يجاهد في طلب الحكمة .. والجاهل يظن أنه وجدها



وعين الحكمة أن يحفظ الإنسان نفسه ويعزها ، عز الرجل استغناؤه عن الناس ، وهذا يتطلب منك الجهد الكبير ، غير أن الثمرة أكبر ، على قدر الحاجة يكون التعب ، ولا تتخيل أن التعب للجسد ، فتعب العقل أكبر ، عظمة الإنسان في فكره لا في جسمه ، فمرن عقلك على التبحر في خيالات الكون وعوالم الدنا وخفاياها ، وافتح له على العالم نافذة وافتح للعالم في عقلك نافذةً يتعشق نور الكون مع شذرات عقلك ، عقلك كالمظلة لا يعمل إلا إذا انفتح ، وحرر عقلك على قرطاس فيكتب لك من الحرف مدينة ، ومن الكلمة عالم ، ومن الجملة كون ، ومن الكتاب عقل ، عندها تكون قد ملكت زمام العقل.


عقول الناس مدونة في أطراف أقلامهم .



أقوال صنعت كباراًوغيرت التاريخ

مقتطفات من كتاب





سنوات كثيرة عبرت .. كأننى في قطار وذهبت في لحظة نوم لا ادري كم طالت ولكنني اكتشفت بعد أن صحوت من غفوتي .. أن محطات كثيرة قد عبرت .. وأن كثيراً من رفاق الرحلة ذهبوا وأن القطار قطع مسافات طويلة .. وان السفر كان مرهقاً ومتعباً وثقيلاً ..


في رحلة القطار رأيت وجوهاً كثيرة أحببتها ووجوهاً أخرى كثيرة رفضتها .. لا أستطيع أن أقول أنني كرهت أحداً .. فأنا أرفض أن أكون صديقاً أو قريباً من احد لكنني لا أستطيع أن أكره .. لأنني أحتقر هذا الإحساس وأعتبره أكثر درجات الضعف البشرى.. وحتى هؤلاء الذين أساءوا إلىّ وألقوا الحجارة على رأسي كنت أتركهم لأنفسهم ليس عن ضعف ولكن عن ترفع ..في رحلة القطار حاولت أن أعيش كما أحب .. ونجحت في بعض الأحيان .. ولكنني لم أنجح في كل الأحيان .. ولكن أعتقد أن هناك أشياء كثيرة لم أفرط فيها .. فلم أدخل في مساومات على عمري وحياتي ولم أحاول العيش كما يريد لي الآخرون.. وفي رحلة القطار تعثرت قدماي .. ووجدت من يحاول أن يدفعني تحت عجلاته وكانت عناية الله أسبق .. ووجدت أيضاً من أخذ بيدي وأرشدني ولم يبخل علىّ بحكمته .. ووجدت قلوباً كثيرة أحبتني وهى لا تعرفني وقلوباً كثيرة أحتوتنى وأيضاً وجدت من ظلمني وهو لا يعرفني .. ولم أندم على شيء لاننى أؤمن عن يقين إن واجبنا أن نعمل ما نستطيع وألا نبخل بالجهد .. وعلى الله قصد السبيل.. ولم أنظر في يوم إلى ما في أيدي الآخرين .. لآن عندهم ما يميزهم وعندي ما يرضيني !!


****


هناك بعض الناس يظهرون علينا فى المواسم مثل بعض الحشرات والطيور ، فالناموس مثلاً يهجم علينا فى الصيف ، وبعض الطيور الانتهازية تهرب من الثلوج فى بلادها لتبحث عن الدفء فى أى مكان آخر ، فإذا طلعت الشمس بقيت ، وإن جاء الجليد هربت ، وهذه الطيور تتعامل بلغة المصالح التى تسود عالمنا الآن ، إنها تسافر حينما يأتى الصقيع ، ولا يهمها إلى أين تسافر ؟ ولا تعرف مع من تسافر ؟ وإلى أين تتجه ؟ إنها تذكرنى بالقطط الضالة التى تطوف الشوارع والبيوت ، ولا تشعر بقيمة أى مكان ، لأن الأشياء عندها تتساوى ، مثل هذه القطط تبحث عن بقايا الطعام سواء كانت هنا أم هناك ، تستطيع ان تنام فى أى جحر ، وأن تلقى نفسها فى أى صندوق قمامة . وهناك أنواع من االبشر تشبه القطط تماماً ، تراها فى كل مكان ، وتقبل عليك إذا احتاجت منك شيئاً ، وتهلل لك إذا كان لها طلب عندك ، وأنا لا أحترم هذه الانواع من الناس ، ولا أقترب منها أبداً



****



كلما قرأت لك أشعر إنك تضيع عمرك في أوراق لن تغير في وجه الحياة شيئاً..تزرع الأحلام في أرض جرداء خاصمتها الخضرة منذ زمان بعيد .. تحاول أن تعيد النبض إلى ضمائر ماتت وقلوب استكانت ونفوس أصابها العطب .. المعادلة يا سيدي ليست في صالحك على الإطلاق .. إنك لا تملك شيئاً غير هذه الأوراق فهل تتصور إنك بالكلام تعيد النبض لأشياء ماتت؟..إن الشمعة التي تحملها لن تضيء أكثر من يديك ..وهناك الآف الزوابع حولها وملايين العواصف التي تجتاح كل ما هو مضيء في هذه الحياة.. أنت يا سيدي تحرث في البحر !!
قلت : إذا كان المرء أمام خياران فلابد من أن يختار أحدهما .. وأنا لا أصلح أن أكون مهرجاً في السيرك ..ولا أستطيع أن أشارك كل يوم في مزاد .. ولا أتصور نفسي كذاباً في زفة .. وكل ما عندي بعض بذور الخير الصغيرة التي أغلقت عليها خزائن عمري وأحاول أن أزرع بعضاً منها في هذا المستنقع .. بعضها يصيبه العفن .. والبعض الآخر تدوسه الأقدام .. ومازلت أنظر لعل بذرة واحدة تقاوم رطوبة الأرض وفساد الجو وترتفع قامتها إلى السماء !!





****


لا تحزني يا صديقتي إذا صرنا أغراباً كالعصافير ، وغنينا وحدنا ولم يسمعنا أحد
قالت : ولكنني أشك في مثاليتك . هل هناك بشر يفكرون كما تفكر ، ويعيشون كما تعيش ؟
قلت : حينما تختل موازين الأشياء يصبح الجمال هو الاستثناء ، ويصير القبح القاعدة . فنقول فلان صادق وكأن الكذب هو القاعدة والصدق هو الاستثناء . فأنا لست مثالياً فكل إنسان يختار حياته ، هناك من يقبل على نفسه أن يلقى فى صناديق القمامة ، وهناك من يقبل أن يكون ذيلاً او حامل مبخرة ، او دجالاً فى السيرك .. وهناك أيضاً من يدفع عمره ولا يقبل أن يكون فى غير مكانه .. لقد اخترت أن أكون فى مكاني حتى ولو كان الثمن كبيراً
قالت : هل اخترت هذا ؟
قلت : تعلمت من الحياة أن البشر معادن .. لكل معدن ثمنه ولكل إنسان قيمته ، لن يتساوى الصفيح مع الذهب .. فنحن نصنع بالصفيح صناديق القمامة ونزين بالذهب صدور النساء ولن يتساوى الزجاج مع الماس رغم أن كليهما يحمل البريق .. فمهما زيفت مصانع الزجاج الألوان والأطياف ، فإن خبراء المجوهرات يعرفون المزيف من السليم، وكثير من الناس ما زالت لديهم البصيرة لأن يدركوا أقدار البشر.




****


تذكر .. أن لكل زمان مذاقاً خاصاً ..وان لكل عمر بهجة مميزه .. وأن الحياة تسرق منا العمر وتعطينا التجربة .. وأن التجربة تأخذ منا الجهد وتترك لنا الحكمة
وإذا أخذت منا الحياة القدرة منحتنا الطمأنينة فتحملنا دروب الشك إلى الإيمان وأمواج الحيرة إلى شواطئ اليقين !!



****


قالت : لماذا اختفى الرجل الفارس ؟
قلت : وما هى الفروسية فى رأيك ؟
قالت : الفروسية عندى الامان .. الفروسية هى الشموخ المتواضع .. والضعف القوى .. والقوة النبيلة .. رجلاً شامخاً يزينه التواضع .. وضعيفاً امام إنسانيته قوياً بالمنطق ..ضعيفاً أمام الحق .. قوة نبيلة ، لآن أسوا ما فى البشر القوة الغاشمة ، إنها لا تعرف الرحمة .. رجلاً يخافه الناس .. ويخاف هو من ضميره .. يرهب العالم بحكمته .. ويمتلك القلوب برحمته .. وتهفو إليه النفوس تعلقاً به .. وليس خوفاً منه.. هذه الانواع من البشر انتهى زمانها .. لقد مضى فعلاً زمن الفرسان
قلت : هذه النماذج التى تتحدثين عنها مازالت بيننا ولكنها بعيدة عن العيون .. إنها مثل اللآلىء الجميلة التى تسكن أعماق البحار وتحتاج إلى جهد كبير لكى نصل إليها .. هناك الرجل الذى يعطى عمره بلا مقابل من أجل قضية .. وحياته بلا ثمن من أجل من يحب .. هناك الرجل الذى لا يغير مواقفه كل يوم ولا يبدل وجهه عشرات المرات لانه يحترم شيئاً اسمه الصدق .. هناك رجال صامدون مخلصون مؤمنون ولكنهم للاسف الشديد بضاعة كتب عليها لصوص هذا العصر " هذه البضاعة للعرض فقط .. وليست للتداول بين الناس "



****


أعرف أن التيار عنيف .. وأن الجسد نحيل .. وأن العمر أقصر من القدرة على الأحلام .. ولكنني رغم ذلك مازلت أحلم ، وليست البطولة في هذا الزمان أن يحمل الإنسان سيفاً .. ولكن البطولة الحقيقة في أن يحمل ضميراً



****


قالت : لماذا تحب أشجار النخيل بالذات ؟
قلت : أشعر فيها بالتفرد والتميز ، فرغم كل نظريات السياسة والاجتماع والاقتصاد فأنا ما زالت احترم فردية الإنسان ..
أن أشجار النخيل تذكرني بالقامات الطويلة من البشر تتزاحم حولها قامات صغيرة كثيرة ولكنها تبدو شامخة
قالت : ولكن هناك بعض أشجار النخيل العملاقة التى لا تعطى ثماراً ؟
قلت : انا لا أتحدث عن القامات الطويلة التى تحمل عقولاً فارغة ، فأنا لا يخدعني الشموخ المزيف ، فقد تطول القامات وتخفى جهلاً وقد يبدو الرجل مهيباً فإذا تحدث نطق كفراً


ً
****




قالت : ما الذي يبقى من المرأة عندك ؟
قلت : لا أنسى عقل امرأة احترمته وعرفت قدره
ولا أنسى وجدان امرأة احتواني في لحظات عمر ثقيل
ولا أنسى امرأة شاركتني حلماً ولو لم يتحقق
ولا أنسى امرأة أعطتني شيئاً ولم تكتبه في أجنده الحسابات لتطالبني به يوماً.. إن المرأة كالرجل تماماً موقف
قالت: وماذا تقصد بالمواقف .
قلت : لن تتساوى امرأة أسعدت إنساناً مع أخرى حولت حياته لمسلسلات من النكد والجحيم .. لن تتساوى امرأة لا تفارق الابتسامة وجهها وأخرى لم تضحك في حياتها إلا مرة واحدة حينما وقع زوجها وثيقة الزواج .. لن تتساوى من تمنح الدفء والأمان .. ومن تفجر براكين السخط والغضب


****



أيقنت وأنا أودع عاماً لن يعود اننى خسرت زماناً وكسبت إنساناً .. وأننا نستطيع أن نعيش العمر مئات المرات مادام في أعماقنا قلب ينبض !!



****


قلت : أجمل أنواع الزواج زواج يقوم على التفاهم .. لان التفاهم يخلق الحب .. ولكن الحب لا يفتح دائماً أبوباً للتفاهم
قالت : وماذا تقصد بالتفاهم ؟
قلت : ان تكون هناك موجات اتصال بين الحبيبين .. ألا يدخل بينهم عمليات التشويش .. ألا يكمل أحدهما كلامه ورغم هذا يفهمه الطرف الأخر .. أن يشعر الإنسان بالأشياء قبل حدوثها ويسمع الكلمات قبل ان تقال .. فإن غياب التفاهم يذكرنا بشخصين يتحدث كل منهما لغة مختلفة .. ولا يفهمان سيئاً ويحاول كل منهما أن يستخدم يديه وعينيه في الحركات والإشارات وينتهي الحوار الصامت إلى اقرب نقطة للبوليس !!




****




قالت : وهل فى الحب عملات مزيفة ؟
قلت : أكثر الأشياء زيفاً في عالم اليوم مشاعر البشر .. كم من الابتسامات تخفى وراءها الخناجر .. وكم من الأحضان تخفى وراء الدفء كل ألوان الغدر ، وكم من أقوال الحب لم تعرف للصدق طريقاً .. إن الحب من أكثر الأشياء التي فقدت بريقها بين الناس ; لان الناس زوروه كثيراً ، هناك عشرات الأقنعة ، وخلف كل قناع تختفي أكذوبة كبرى
قالت : أنت متشائم .
قلت : لست متشائماً ، ولكنني أحب الحياة ، ومشكلتي أنني أريد الحياة التي أحبها .. أو بمعنى آخر أريد الحياة كما أحب .



****


كان الليل صامتاً .. والجدران تنظر إلى ملامح وجهي .. وأثاث الغرفة يتثاءب في كسل غريب.. كان حولي الآف الكتب .. كل كتاب منها اخذ شيئاً من عمري ..وكان معي الآف الأصدقاء .. كل واحد منهم قدم لى شيئاً .. فأنا مدين لهم جميعاً ، ولكنه الدين الذي لا أستطيع أن أرده لهم يوماً .. لقد اعطونى عصارة فكرهم ورحيق عمرهم وضوء عيونهم وتجارب أيامهم..كل صديق من هؤلاء الذين أحاطوني هذه الليلة اعطانى من عمره شيئاً ..و جلست انظر إلى أصدقائي الذين أخذوا مساحة كبيرة فى قلبي وتركوا علامات كثيرة على عقلي !






****


القضية ليست قضية بطون خاوية ولكنها مشكلة قلوب أصابها الخراب ونفوس سكنتها الوحشة وضمائر مات فيها الإحساس !!
حينما تموت قلوب الناس وتتكاسل ضمائرهم وتخبو في أعماقهم معاني الجمال ..يصبح من الضروري أن نقف في آخر القلاع في محاولة أخيرة من اجل إنقاذ الإنسان الإنسان .. وأنا أحاول هذا بقلمي لاننى لا أملك غيره !!




الغزو الثقافي يمتد في فراغنا


إن الحق كى يستديم وجوده ويحمى ذاته لابدّ له من قوتين : إحداهما عقلية تبسط حجته وتنفى عنه تهمة الشراسة والعدوان ، والأخرى مادية ترد الهجوم وتؤدب الذين يعيشون على القضم والهضم .. لا يكفى أن يكون الحق وسيماً يستحق الإعجاب ، ينبغى ان يكون كذلك له دارعاً يتحمل العراك وينجو من غوائل الخاطفين والقاطعين !! " (من القطوف البليغة بالكتاب)"


من خلال موضوع " أمة وارثة أم موروثة؟" يتحدث الشيخ الغزالى قائلاً:
مع الخلل الكبير الذي أصاب سياسة الحكم والمال عندنا .. ومع غلبة التقاليد القبلية والبدوية على رقعة رحبة من المجتمع الإسلامي.. ومع الفجوة التي حدثت بين علوم الكلام والفقه من ناحية وعلوم التربية والسلوك من ناحية أخرى وظهور الطرق الصوفية الجاهلية.. ومع استخفاء قضايا حيوية مهمة وبروز قضايا تافهة .. ومع ضعف المستويين الفكري والاجتماعي لدى أعداد من المتحدثين الإسلاميين .
مع هذا ، وغيره من الأسباب أخذت أمتنا تتراجع أمام خصومها ، وتترنح تحت ضربات موجعة وظهر عجزها عن تبليغ رسالتها بعد عجزها عن صنع رغيفها الذي تأكله !!


تحميل الكتاب

وفى موضوع " الاسلام دين المفكرين " يوجه الشيخ محمد الغزالى علامة استفهام بحاجه الى إجابه.. قائلاً:
أريد أن أسأل أناس من جلدتنا يتكلمون بألسنتنا وينتمون إلى تراثنا ، شاء الله أن يعرفوا اللغات الأخرى ويقتبسوا منهما ويترجموا ..أريد أن أسألهم ماذا أفدتم من هذه المقدرة ؟ وماذا أفادت أمتكم منكم ؟ .. هل استصحبتم دينكم وتاريخكم وأنتم تطالعون الثقافات الأجنبية ؟ هل استوقفكم صديق يحب العدالة أو استشاركم خصم يكره الشرق ويزدرى العرب ، وينال من الإسلام ؟
إنكم لم تترجموا العلوم ، وكنا أفقر إليها من الروايات الغرامية والجنائية التي زحمتم بها لغتنا وشغلتم بها أولادنا ..ونقلتم أكاذيب المستشرقين ومفتريات الناقمين على الإسلام وحضارته وتاريخه المديد ، دون رد ذكى أو عادل ، بل وأحياناً مع الرضا فكيف ساغ لكم هذا ؟
في الحضارة الغربية عباقرة كثيرون عرفوا الإسلام فضله وقدروا له ما أسدى للعلم وللعالم ، أما كان حقاً عليكم أن تعرفوا وتشيدوا بصدقهم وتقدروا شجاعتهم بين قومهم ؟ .. أعتقد أن السكوت هنا لون من الغدر ، بل هو خدمة لكل القوى المعادية للإسلام ..

نقطة البـــداية




قال ألبير كامى كلمته الشهيرة " يكفيني أن أتعلم بصبر علم الحياة الذي يفوق في صعوبته ومرارته كل العلوم والفنون "

إن أكثر ما يستهوينى هو التعلم من تجارب الآخرين طبقا للمقوله.. من سمات الرجل أن يتعظ بتجارب غيره لا بتجاربه هو .. فالغبي من يخطئ ويكرر نفس الخطأ… والذكي الذي يتعلم من خطأه .. والأذكى هو الذي يتعلم من أخطاء الآخــــرين..

ومن خلال ما قرأت تأثرت بالعديد من شخصيات الأعمال الأدبية ، والعديد من الكتاب والأدباء وسردهم الشيق لما تحويه أعمالهم .. ومن خلال ما قرأت ما سطره الأستاذ عبد الوهاب مطاوع – رحمه الله- في إحدى كتبه عن شخصية الموظف البائس " جران " في رواية الطاعون للأديب الفرنسي ألبير كامى فقد كان جران يعيش وحيداً في شقته ويمضى الليل ساهراً منكباً على عمل مجهول وعندما أقترب منه الطبيب " ريو " وأصبح من أصدقائه باح له بسره العظيم !!



إنه يكتب أول عمل أدبي له ويحتم بأن يكون أديباً مشهوراً ، ويمضى الليالي الطويـــلة ساهراً يكتب ويشطب ويريد أن يبلغ بعمله الأول قمة الكمال حتى إذا ما انتهى منه وقرأ ه الناشر .. نهض مسرعاً من وراء مكتبه ورفع قبعته وقال للعاملين معه ، أرفعـــــــــــوا القبعات تحية لهذا العمل الكبير !!



وبسبب ذلك الحرص البالغ على أن تكون البـــداية مبهرة يمضى "جران" الأيام يفكر في كل حرف قبل كتابته.. ويحكى للطبيب شارحاً معاناته : إنه قد يكون من السهل الفصل بين "لكن " و " و " لكن من الصعب أن تفاضل بين " و" و "ثم" أما ما هو أصعب من ذلك فهو أن تعرف هل من الأفضل استعمال "و" أساساً أم لا !!




وظل هكذا يكتب ويبدل ويملأ الصفحات الطويلة تم ينحيها جانباً ويكتب غيرها ، وتمر السنوات بغير أن يكتب في عمله الكبير سوى سطراً منه:
" في صباح يوم جميل من أيام شهر مايو . كانت هناك فارسة جميلة تمتطى فرساً حمراء وتجوب بها غابة بولونيا المزهرة ".

ولا تسلم تلك الجملة من التغير والتبديل مع شرحِِ وافِِ لسبب كل تعديل ...
وتنتهي روايــة الطاعون ، والبائس "جران" لم يكتب سوى جملته ، ولم يبدأ خطوته الأولى في طريق تحقيق الأهداف !




وإذا تأملنا شخصية "جران" نجدها تعيش داخل العديد منا ولكن إذا توسعنا بالنظر من خلال المجتمع فنجد العديد ممن يسيرون على ذلك النهج العقيم ولا يؤمنون أن كل الطرق تؤدى إلى روما .
فمهما كانت البداية متواضعة أو أقل تواضعاً فالأهم ،، هو التمسك بأهدافنا وان نلهث وراءها إلى أن تتحقق ولابد أن تتحقق في يوم .
فالحياة لا تعطى لمن يعكس الآية ويريد الانطلاق من حيث نهاية الآخرين فالحياة تسير مع من تعب أولاً ، وليس مع أولئك الذين ينتظرون البداية المرموقة التي لا تأتى إلا بعد العديد من محاولات البدء .



فالحياة لا ترفع القبعات إلا للمكافحين الذين يسلكون طريق المحاولة مراراً وتكراراً بلا كللِِ ولا مللِِ .. إلى أن يصلوا إلى مرادهم المنشود بالعرق والدموع والكفاح... وليس أولــــئك الذين يتملكهم التردد والمفاضلة بين "ثم" أو " و" من أجل بدايةً صاروخية .. إلى أن تسقط وريقات البداية وتنتهي رواية العمر ولم يسطروا منها حتى الحرف الأول !!...