‏إظهار الرسائل ذات التسميات فن الحياة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات فن الحياة. إظهار كافة الرسائل

أصدقاء آخر الزمان




ما الذي يكشف معادن الأصدقاء ؟


قلت : أعرف صديقي وقت محنتي أجده بجواري فى ساعة حزنى ،أشعر بيده تنتشلني من دوامة سقوطي .. حين تظلم الدنيا وتغلق أبوابها أجده أمامى ممسكا بشمعة صغيرة يحاول أن يفتح أبواب سجنى المغلقة .
الصداقة معدن نقى نختبر صلابته فى ساعات الشدة .. قد تجد حولك آلاف الأصدقاء إذا أقمت لهم حفلا ولكنك قد لا تجد شخصا واحداً منهم إذا واجهتك مشكلة. هناك أشخاص يعرفونك ويتقربون إليك ما دمت واقفا على قدميك ، حتى إذا سقطت انفضوا من حولك وربما ألقوا عليك الحجارة اما الأصدقاء الأصدقاء فقد لا تراهم فى أوقات سعادتك ولكنك تجدهم حولك فى ساعة محنتك.
وأنا أحزن كثيراً كلما ضاع منى صديق ، أشعر بأن خسارة المال تعوض ولكن خسارة الناس لا تعوض ، فقد تخسر مالاً وتعوضه ولكن خسارة الصديق لا تعوض.
قالت: كيف أختبر أصدقائي؟ إنني أحيانا أجد حولى مهرجاناً من البشر الكل يدعى انه صديق كيف اعرف من يخدعنى ومن يحبنى؟
قلت: ليس هناك وسائل محددة لكشف زيف الصداقات وخاصة أن الأقنعة أصبحت كثيرة والأدوار متشابهة والناس يجيدون التمثيل ولهذا فأنا أجلس عادة فى الصف الأخير لكي أشاهد المسرح والكل يؤدى دوره وانتظر لكى أرى نهاية الرواية . وعادة أجد أن ما بقى بين يدى من الأصدقاء أقل مما تصورت . فأنا أحزن كثيراً كلما خاننى أو تخلى عنى صديق ، فالصداقة مثل الحب عمل اختياري لا أنا فرضت عليه صداقتى ولا هو أجبرنى على أن أكون صديقاً له ..وليس فى الصداقة إتفاق مسبق ولكن هناك أختيار قد تحكمه الصدفة او العقل . إن الصداقة مثل الحب تقتحم أيامنا وقد يخدعك صديق نصف عمرك وتكتشف انه لم يكن أكثر من أكذوبة كبيرة وأن لغة المصالح هى التى ربطت بينكما وعندما سقطت المصالح سقط معها آخر أركان الصداقة.
قالت : كيف اختار اصدقائى ؟
قلت : نحن نعيش الآن أخر الزمان ولهذا مطلوب منك ان تبحثِ بين عشرات الأكوام من الأوراق المالية المزيفة عن ورقة واحدة صحيحة . مطلوب منكِ الا تحاولى أن تقطفى الزهرة الجميلة لآن وراء عطرها ثعباناً كبيراً.
مطلوب منكِ ألا تتركى خزائن أسرارك بين أيدى صديق قد يبيعك فى أول مزاد ، وقد يعرض أسرارك فى أول بوتيك يلتقى فيه مع رفاق السوء ، فما أكثر المذابح التى تتعرض لها الناس فى جلسات الأصدقاء يستباح العمر والسمعة والقيمة .. وفى كل ليلة ضحية جديدة تتسلل فى أعماقها الخناجر والكل يتحدث باسم الصداقة !
فالصداقة أحساس عميق فى داخلنا وليست مجرد أجندة تليفونات تجمع مئات الأرقام وعشرات العناوين والآف المصالح .. قد لا تجد فى أجندة تليفونك أسما واحداً تأتمنه على لحظة صدق أو سر من أسرارك.
لابد أن يكون الإنسان حريصاً فى اختيار أصدقائه وخاصة فى زماننا الغريب الذى يبباع فيه كل شىء ويستهان فيه كل المشاعر ويستباح فيه كل القيم وليس معنى ذلك أن كل الصداقات سقطت .. وكل الأصدقاء باعوا ولكن أعدادهم صارت قليلة فما اكثر الناس حولك .. وما اقل الأصدقاء.. الأصدقاء.


أشعر بوحدة شديدة كلما سقط منى صديق ، تزاد برودة الايام ويزداد الصقيع وتكسو تلال الجليد مساحة كبيرة فى أعماقي وكلما كفنت صديقاً تمنيت لو أعدت له الحياة ، لو وجدتة فجاه يستعيد نبضة وينهض واقفاً .. أتمنى وأنا اوسدة أيام عمرى أن اسمع كلمة عتاب او رجاء او تراجع ، ما أكثر الأصدقاء الذين ورايتهم في أعماقي وأنا حزين.. خسارة الصديق خسارة عمر .. والعمر لا يرجع أبداً للوراء.

وقفة !!



قيل: نفسك كالسائل الذي يُلون الإناء بلونه فإن كانت نفسك راضية سعيدة رأيت السعادة والخير والجمال وإن كانت متشائمة رأيت الشقاء والشر والقبح .

وقيل:ارضي عن نفسك وتقبلها من المهم جداً أن تنتهي إلى قرار بالرضا عن نفسك والثقة في تصرفاتك وعدم الاهتمام بما يوجه إليك من نقض طالما إنك ملتزم بالصراط المستقيم فالسعادة تهرب من حيث يدخل الشك أو الشعور بالذنب.


وقيل:أخف شيء على الإنسان نفسه لكن من الصعب أن يعرف دخائلها...فاعرف نفسك ولا تحاول التشبه بغيرك.


تعد النفس الجعبة الكبيرة التي يتم إلقاء العديد والعديد من الأفكار والحوارات المتكلمة أو الصامتة بداخلها دون ادني تنقيه ولذلك تختلف النفوس طبقاً لما يتم إفراغه بداخلها .
فإذا أسكنتها  السموم فلا تنتظر غير الشقاء..وإذا أسكنتها كلام كاليقطين فلا تنتظر إلا النجاة من أمعاء الحوت وظلاً ظليل..وهذا هو الكلام.
فحالات السرور البهجة والتي تسبقها أو تعقبها تعاسة مفرطة ننتج من خلال التحاور بين العقل المسيطر والنفس المتمردة ونظرأ لسيطرة العقل يتم إفراغ ما به من أحزان فتتلون هذه النفس بأظلم الألوان أو يفرغ خزعبلات تدفعها لحاله من الجنون.. أو يفرغ بها نغمات من أعذب الألحان لتعزف سيمفونية لتعبر عن نفس راضيه وعقل يشاطرها هذا الرضا...
• هل تعلم أنك تكلم نفسك وأنت لا تدرى ؟
قال أحد خبراء التربية البشرية إن كلا منا يخاطب نفسه بما لايقل عن 70 ألف كلمه في الساعة الواحدة هذا وأنت صامت فكيف هذا الجنون؟
أحياناً تجلس فتجد نفسك تبتسم ولا يوجد ما يدعوك إلى الابتسام أو العكس .وأحياناً تجد عينيك تخترق الجدران وتسافر بعيداً لتنسج لك أحلام وتخبرك بأحداثها وتشاهدها أيضاً..بل وتحاور نفسك لما هذا لونه كذا وهذا هنا وترتب أحداث يومك وأنت في صمت متكلم...
وأحيانا فجاءه تنطق وتصف نفسك بالغباء ولربما بالذكاء أحياناً ...
فتمهل...قبل أن تقتل نفسك بيديك..فلربما كلمة تحيى وتميت..تمهل عند محاورتك لهذه النفس الكامنة بداخلك...
وإذا شعرت بحديث عقيم لايودى بك إلا إلى الجحيم...فإلتمس من يمدك بزهور الربيع..
ليبرز لك محاسن هذه الشخصية وايجابياتها لتضيء هذه النفس وتنطلق من جديد بعيدا عن الحزن العقيم إلى سعادة ترفرف بها على الجميع..

واعلم..... إن السعادة عطراً لا تستطيع أن ترشه على من حولك دون أن تعلق بك قطرات منه...



مملكة الحب .. وتوظيف الأموال !!




قالت : ما الذى يضايقك من حواء ؟

قلت : أن أشعر أحياناً أننى أمام مأمور ضرائب يحاسبنى ولا يثق فيما أقول ، يتشكك فى أوراقى ، ويلعب معى لعبة القط والفأر. أشعر أحياناً أن الحياة أفسدت حواء فنست أن الله خلقها للعطاء ، وأن الأمومة جزء من تكوينها ، والأم هى المنطقة الوحيدة التى لا تستخدم قوانين الربح والخسارة فى العلاقات الإنسانية . كثيراً ما تطلق حواء كلماتها كالصواريخ : أعطيتك عمرى وشبابى وجمالى وأحلى سنوات عمرى . وهبتك العيون يوم أن كانت جميلة ، والضفائر حينما كانت تطاول أشجار النخيل ، والشباب حينما كان بريقاً وتدفقاً وحباً .. أعطيتك كل شىء ..!!
ونسيت حواء أن رجلها أعطاها أيضاً كل شىء : أعطاها شباباً .. وكانت الشعيرات البيض تختفى فى السواد يوم قابلها ..
كان يصعد درجات السلم كالغزال النافر ، وأصبح يتسكع عليه فى رحلة مرهقة .. وكان يسهر الليل والنهار ليوفر لها حياة كريمة مع أبناء سعداء. إن حواء لا تخطىء حينما تقول لرجلها : أعطيتك شبابى ولكنها تخطىء إذا تصورت أنها أعطت وحدها ، وأن عمرها قد ضاع، فهو أيضاً أعطى ، وعمره ضاع !!


قالت : ربما يرجع ذلك لأن حواء خلقت لتكون لرجل واحد ، ولكن الرجل يستطيع أن يجمع بين أكثر من امرأة .

قلت : كان هذا فى زمان مضىء فلا يستطيع الرجل الآن ، بكل المقاييس ، أن يجمع فى حياته بين أكثر من امرأة .. بمقاييس المال لا يستطيع ذلك إلا قلة من أثرياء زماننا .. وعلى المستوى النفسى والفكرى والثقافى ، أعتقد أن تركيبة الرجل تغيرت ، فهو فى أحيان يريد حواء المتكاملة عقلاً وروحاً ، فيبحث فيها عن وجدان يحتويه ، وعقل يخاطبه ، وحوار يجدد ركود أيامه . الرجل فى زماننا مرهق للغاية ، على كل المستويات .. فهو يلهث طول الوقت ليوفر حياة مناسبة ، ولا أقول حياة كريمة ..!! هو مطارد كل الوقت فى حياته وعمله .. إذا نجح حاربه الفاشلون ، وإذا سقط سخر منه الجميع . ولهذا نجده يحارب جهات كثيرة ليحمى نفسه ويحمى من يحب.
وحواء أيضاً أرهقها زماننا .. فهى لم تعد الأميرة التى تأمر فتجيب الحاشية أوامرها ، ولم تعد الأم التى تعطى أبناءها العمر والصحة والشباب ، ولم تعد الحبيبة التى تقضى عشرة أيام من الاسبوع تتغزل فى عيون حبيبها !!
أرهقتها الحياة أيضاً ، فهى مطاردة فى العمل والاتوبيس وطوابير الجمعية ، أو مطاردة بالوقت الضائع والفراغ وحكايات النوادى التافهة. وجلس كل واحد فى جانب يحاول أن يحاسب الآخر : ماذا أعطيت ؟


قالت : ولكن الرجل أنانى بطبعه .

قلت : الأنانية مرض عام لا يخص الرجال وحدهم ، لأن حواء تعانى منه كثيراً ، وإن كنت أتصور أن الأنانية من أبرز أمراض العصر ، لأن كل واحد يحاول أن ينجو ببدنه ، حتى ولو داس الآلاف بأقدامه فى رحلة صعود . وهناك مثل سخيف يقول : " إذا جاءك الطوفان ضع ابنك تحت قدميك " وهو منتهى الأنانية ، وهذا هو منطق العصر الذى نعيشه .

قالت : وماذا تنصحنى؟

قلت : لا أحب أسلوب فتح الملفات فى العلاقات الإنسانية ، فأنتِ حينما أعطيتِ عمرك وشبابك وقلبك ، أعطيتِ عن حب واختيار واقتناع ، ولهذا يجب ألا تندمى .. وهناك طرف آخر أعطى أيضاً عن اقتناع ، فكلاكما لم يمارس لعبه نصب على الآخر ، فهى بلغة الاقتصاد صفقه متكافئة ، لأن كليكما أعطى ، وربطت بينكما أشياء كثيرة ، ذكريات عمر جميل ، حتى الأيام الصعبة تربط بين قلوب الناس ومشاعرهم .
أسوأ ما يصيب الأحباب أن يتصور طرف أنه خدع الآخر ، وسرق منه بعض سنوات عمره ، فالسرقة إحساس ردىء ، ولا يجب أن يدخل دنيا المشاعر ، ولن أكون سعيداً أبداً إذا شعرت بأننى سرقت سنوات عمر انسانة أحببتها ، أو تتصور هى أننى سرقت منها شبابها .. الذى أعرفه أنه لا توجد شركات توظيف أموال فى مملكة الحب !!

من كتاب"عمر من ورق"


أوراق من العمــــــر





وداعاً للماضي وأهلا بالمستقبل ..في يوم من الأيام ستمر حياتك أمام عينيك فاجعلها تستحق النظر إليها ..
في البداية .. لنتفق على أن بعض الإجابات لعلامات الاستفهام تعد إيهانه لتلك العلامة وربما تخدش كرامتها وتنال من هيبتها !!
وفى وقت أشبه بفترة النقاهة من جراحه .. يفتر الجسد على الاستطراد في الحديث وفى بعض الأحيان العجز الكامل عن كتابه سطر واحد .. ومن خلال نظرة عابرة على أوراق من الماضي نجد دموع الحاضر تنهمر كينبوع إيقاعي النحيب !!



مع مرور سنوات العمر .. أفكر جدياً في عرض نفسي على طبيب نفسي على الرغم من العداء القائم بيني وبين كل من يمت بصلة للطب ومجالاته المختلفة خصيصا القلب فلى معهم باع طويل !!
وسبب التفكير هو إن لي أصدقاء .. أحدثهم ويحدثونني .. وأعجب بهم واقف موقف العجب منهم .. ولكن لا يراهم أحد غيري !! فهل لديك تفسير لتلك الحالة ؟!
تمهل !! لا تسيء الظن بعقلي .. فإنهم أصدقائي في الخيال الذين تعرفت عليهم من خلال الكتب ، أولئك الذين تَعلمت من تجاربهم التي تسكن بين السطور .
سواء كانت سطور تحكيهم أو يَحكون بها ما يقصونه مما تعلموه من جامعه الحياة ، فالتمس لي بعض العذر على تلك الهواية الغريبة .. فحين يعز الأصدقاء الحقيقيون أو تباعد بيننا وبينهم الحياة أو المسافات فلا بأس من التماس السلوى مع أصدقاء الخيال !! ويبقى السؤال عن الأصدقاء الحقيقيون ؟



خلال مرحلة ما قبل المدرسة ..تعهدنى شيخ جليل رحمه الله ومن بعده ابنته بحفظ سور القرآن الكريم .. وتعلم القراءة والكتابة كما هو معروف باسم الكتَّاب ..وتلك المرحلة تعد أفضل لبنه وضعت في حجر الأساس لتلك الشخصية حيث تم التعليم حول مأدبة القرآن ..بالإضافة إلى القراءة والحفظ والكتابة والواجب.. وكان هناك عقاب وثواب وحضور وانصراف .. أشبه بالحضانة مع فارق الخلو من الغزو الأجنبي..فتم شق طريق اللغة العربية وتشكيل مفرداتها بالإضافة لتعلم النطق ..وتم البناء من خلال سنوات الدراسة باختلاف غزوها على تلك اللبنة الأساس في بناء التكوين ..وبغض النظر عن الحضانة.. كان الأفضلية لذلك الطريق .. فمع بعض المقارنة .. نجد في الوقت الحالي الطفل ينشأ على مسلسلات الكارتون وما يتم بناءه من A أبل تفاحه ..إلى أن نصل إلى التربة وجذورها فذلك الخط العكسي الذي نسلكه .. فالأصل البدء من التربة التي تخرج التفاحة !!



في المرحلة الابتدائية تم تمهيد طريق معرفتي بالمكتبة من خلال حصة المكتبة التي من اختصاص مدرسة اللغة العربية بإفراد حصة أسبوعية للمكتبة بخلاف حرية الذهاب في الفسحة .. وفى تلك المرحلة كانت الكتب المتاحة لمن في أعمارنا المكتبة الخضراء " شبه الكارتون المرئي الحالي و كل الكتب تمت بصلة للون الأخضر ربما لأنها تنمى موهبة التخيل "
وبصراحة شديدة كنت لا أحبذ تلك القصص الخضراء ولكنها جعلتني أحب كل ما هو أخضر مزروع .. وخلال مراحل التقدم العمري والدراسة بدأت أتمرد على تلك الخضراء بالذهاب إلى غيرها من المتاح لنا ..وكنت أتعثر في الفهم ومعاني الكلمات و كنت اتخذ من مدرسة اللغة العربية مرشداً لإزالة غموض الكلمات وتوطدت علاقتي بكل من قام بتدريس اللغة العربية خلال المراحل المختلفة نظراً لذلك السبب.. وعندما بدأ موضوع التعبير يعرف طريقه إلى الكراسات وإنشاء كراسه مخصوصة له اتضحت ثمار المكتبة .. وعند تعارض الحصص مع الآخرين فإنه يتم جعل الحصة للتناقش حول ما تم قراءته سابقا أو يتبرع بعض الطلاب بالتحدث ونقوم بالإنصات ..
ومن هنا مع بداية كل سنه دراسية أصبحت من ضمن من يلقبون بأصدقاء المكتبة ويتم إهداء قلم ليس على الوجه وإنما لإضافة أفكار إلى العقل..والحال الآن .. يعد إيهانه للسؤال ؟



في الصف الثاني الابتدائي .. قامت صديقة تجلس بجواري بالمشاجرة مع زميلة في الفصل .. فقامت الأخيرة بالذهاب لمدرسة اللغة العربية وكانت لتلك المدرسة لها مكانة من التقدير والحب داخلي وكانت المسئولة عن الفصل .. فعندما توجهت الزميلة بالشكوى وهى تصطنع الدموع قامت المدرسة بعصبية شديدة بالدخول إلى الفصل وتوجهت لي وما شعرت إلا بأصابع يدها على وجهي .. ورسم على وجهي علامات ممزوجة من الاستفهام والدهشة ألجمت لساني عن النطق .. فأسرعت الصديقة المجاورة " بأن مش نور اللي ضربتها دى أنا " !! وحدث اللبس نظراً لتشابه الاسم بالإضافة إلى القرب المكاني !! وقامت المدرسة بالاعتذار وإضافة لمسه حنان ..وكان ذلك أول قلم تم منحه لوجهي !! ولا ألوم المدرسة .. ولكن لربما كان القلم من نصيب الغير وامتنع عن الذهاب وسكنه الخوف من تلك الدوائر الإلزامية .. فأين التروي والتأني ؟!



مع بدأ المرحلة الثانوية .. بدأت في الانعزال ليس من أجل معسكر الثانوية العامة .. وإنما كانت تلك السمة في حالة طفولة غير ناضجة وعندما بدأت المرحلة الثانوية أصبحت من السمات الرئيسية لملامح الشخصية الناضجة مما جعل من الدائرة محدودة ولا يتم السماح والولوج في إيطار الدائرة إلا لمن يساهم في الدوران ولا يقوم بالتخريب أو التوقف عن الدوران.. و الكتب في تلك المرحلة اتخذت طابع ديني أكثر من غيرها .. وكانت لي صديقه تشاطرني ذلك الطريق ..
وطرق ذهني خلال تلك الفترة وراثة الإسلام رغم مرور مرحلة الإنبات واللبنة الأولى في التكوين ولكن ..حاولنا القفز سريعاً لا بالأجساد وإنما بالأرواح على علم يوازى مرحلة النضج ..وكنت على يقين أن الفطر السليمة تستطيع أن ترى النور ولو في عمق المحيط..وكان لابد من طرق باب التفسير والتعرف على مناقب الشخصيات المشهود لها.. والتزود من الكتب التي تساهم في الإيضاح والتقويم .. والتطرق لكتب الزهد والرقائق .. وخلال تلك المرحلة لم يصمت بركان الأسئلة .. وعلى الرغم من الأمواج العاتية كان الحق جلي متزن .. وبدأ التشكيل بعيدا عن الأمواج وإنما على الحق الذي لا يتجادل فيه من ولد على الفطرة..وكانت تلك المرحلة لبنه أقوى من سابقتها ولكن يجتمعان في نقطه الالتقاء فالأولى قلبت التربة وقامت بالتنقية وتمهيد الطريق والثانية قامت بالزراعة والتسميد ..!! فالسؤال لما يتم التشويش والخوف من الطريق ؟ّ!



من أكثر الصفات مضايقة لمن يحفظ عينه ببرواز من الزجاج أن يتم اتهامه بأنه "موس " وخصوصاً عندما يمتلك بعض المقاومات للفوز بذلك اللقب بجدارة بين الرفاق .. ومن الطريف أن يتم إطلاق صفة الدكتور كذلك.. ولا أدرى لماذا ربما لان الموس سيتحول إلى دكتور ؟ ولكن اختلفت الموازين حينما تم إغماض العين وتوقف الموس عن المذاكرة في منتصف الصف الثاني الثانوي !! ولم يرى الحروف إلا على أعتاب الامتحان!! ومن هنا ولدت حاله من العصيان على ذلك البرواز!! ولكن هل يدرى من يطلق صفه الموس انه يصدأ أو تثلم حدته .. وهل ذلك ينطبق على العقول التي تتصف بالديناميكية ؟!



حرصت دوماً على قراءة تجارب الآخــرين .. والتطرق إلى الاجتماعيات .. لمعرفة أسباب هجوم ذلك السوس الذي ينهش ويلتهم بدن المجتمع وخصوصاً على المستوى الأسرى، لم يكن ذلك من أجل البكاء على ذلك الجسد العليل .. وإنما لمعرفة تلك الثقوب ومحاولة سدها في تلك الشخصية .. فالحياة تعطينا الدروس ولكن القليل من يمتلك العيون والعقول..فالغبي من يسير على خطوط السابقين رغم احتضارها..وإذا كان القلب تلك المضغة التي تُقوم حال البدن فالعقل يترجم ويبعث بالرسائل .. وكل شيء قابل للتمرين والتدريب !! وهنا التحقت بمدرسة الأدب الاعترافى على يد الأستاذ عبد الوهاب مطاوع – رحمه الله - ومازال التحصيل .. والسؤال لما نغمض الأعين عن قراءة من حولنا ونقع في الحفرة على الرغم من وجود العيون وفى الأخير نتهم الأقدار ؟!



لم تربطني علاقة قويه بالرياضيات .. إلا من أجل الامتحانات ..لذا لم أفكر في الالتحاق بأي شيء له صلة بتلك الأرقام حتى لا اتهم الظروف والأقدار والعيب يكمن في شخصي .. وعلى الرغم من التحاقي بكلية القانون " الحقوق"( ولا أدرى ما هي تلك الحقوق فالأفضل القانون .. فالحقوق مكتسبه والقانون يهضمها وربما يعيد تشكيلها وكلاً حسب موسمه السنوي !! )
ولكن الحسنه التي يتم احتسابها في تلك المرحلة هي دراسة الشريعة الإسلامية من خلال الفرق المختلفة ابتداء بالفقه وإحكام الزواج والطلاق والميراث والوصية والوقف وبعض النظريات"العقد والحسبة وغيرها .. ولكن هنا وقفه !!
في الفرقة الثالثة تُدرس أحكام الميراث والوصية وخلال المحاضرات المتوالية تعالت الأصوات بإعلان حالات من التخلف "الرسوب" فالمادة ثقيلة للغاية بالإضافة إلى شبح القضايا الذي يفرض في الامتحان .. وبدأ البعض شطب المادة من جدول المحاضرات والبعض بالجلوس لمجرد تواجده بالمكان والآخرين للإنصات .. ورغم ذلك كان العدد كبير ولكن الفهم ومحاولة التقسيم في وجود هيبة القضايا قليل !! على الرغم من أفضليه تلك المحاضرة والمحاضر !!
والسؤال .. لما يحدث ذلك على الرغم من وجود الأحكام في سورة من القرآن ..؟!



شيء مضحك حد البكاء .. أن يقوم دكتور الشريعة الإسلامية بإعلان عدم دخوله المحاضرات إلا إذا تم الفصل التام بين الكوكتيل المختلط .. وهنا تبدأ حالات من الاستعداد لخوض حرب للخروج من باب المدرج وتبدأ الحشائش في الابتعاد ويخيب مخططها في التشويش على الأشجار والنخيل .. والإجابة على ذلك السؤال يفتح سيلاً من الايهانه لتلك العلامة ؟



من المواد التي عكرت صفو علاقتي بتلك الكلية القانون الدولي العام .. وخصوصا عندما كانت الدراسة بخصوص المعاهدات الدولية وأعالي البحار .. فكان عالم البحار من ابغض التقسيمات للفرقة نظراً لصعوبته وربما لضعف شرح المحاضر ..فكانت المعاهدات خير عوض في محاولة ترميم ذلك التصدع .. فقمت بمحاولة تلخيص تلك المعاهدات تلخيص ذاتي بعيداً عن التيك اواى إلى يتم صنعه خارج أسوار الكلية .. وعندما انتهيت كنت قد ألممت بأجزاء ذلك القسم وعن وعى تام واحتفظ بالتلخيص لحين موعد الامتحان ليتم المراجعة السريعة .. ومن باب التعاون أخذت الدائرة الخاصة المحيطة من الصديقات ذلك التلخيص .. وفى يوم الامتحان كان التجمع وتعالت الدعوات فكان التلخيص وافى لما جاء بالامتحان والجميع توقع لي تقدير لا يقل عن جيد .. ولكن تثقل تلك المادة كاهلي للعام التالي ويحالف النجاح الغير !! فكان ذلك العجب العجاب !! وعلمت أن تلك الكلية لا أمان ولا أمانه لها !! وتظل الايهانه لتلك العلامة .. ؟ أن التحصيل له حسابات أخرى خصوصا فى جامعه العمالقة !!



يتم المدح على ذلك الخط الذي يملا دفاتري وكان من الطريف جدا .. خلال الامتحانات خصوصا في المراحل الاولى .. عندما يقوم المراقبون باللجنه بمهمة مراجعه البيانات والإمضاء ..باعلان تلك الحقيقية وتبدأ الأسئلة" في سؤال مش عارفه إجابته " وهنا علمت أن التعليم لا يحكمه المذاكرة وإنما للغش طرق أخرى !!



وتتزايد الاسئلة مع أوراق العمر


حوار مع صديق جاهل






قال: في أي زمان تمنيت أن تعيش ؟
قلت : زمان بلا قهر وعصر بلا سجان..
زمان يحترم الضمائر ولا يتوج الصغائر..
زمان يقدس فيه العقل ولا يمتهن الوجدان.
زمان تنبت فيه الزهور ولا تعبث فيه الافاعى.
هذا هو الزمان الذي أتمنى أن أعيش فيه..
قال : ولكن أي الازمنه كانت بدون قهر .. واى العصور كانت بلا سجان .. في كل الازمنه سادت الصغائر على الضمائر.. وامتهن العقل والوجدان.. إن ما تطلبه في خيالات الشعراء..
قلت : في تاريخ الإنسانية لحظات نقاء كثيرة ، ولمحات ضوء وفترات من السمو الانسانى يمكن أن نتوقف عندها..
قال : ذكرني إذا كنت قد نسيت.
قلت: انظر إلى عصر رسول الله _ صلى الله عليه وسلم_ وحاول أن تسترجع رحمته.. وبساطته ورجولته وكرمه .سترى به نموذجاً إنسانياً متكاملاً في العقل والسلوك والوجدان..
أنظر إلى صحابته .. عدالة عمر .. ورجولة خالد.. ورحابة أبى بكر.. وترفع على..كانوا عظماء في كل شيء..
قال : ولكن ذلك زمان بعيد.. لقد كان الرسول معصوماً . وكان صحابته- رضوان الله عليهم- أئمة للناس..هذا عصر لاقياس عليه.
قلت: انظر يا صديقي إلى عمر بن عبد العزيز وقد جاء بعد هؤلاء جميعاً، هذا الشاب الصغير الذي ضرب مثلاً في الزهد والعفاف والعدالة، لم يكن حاكماً عادلاً فقط. ولكنه كان إنساناً عظيماً بكل المقاييس.
قال : وانظر إلى الحجاج مثلاً.
قلت : سيبقى لكل زمان " حجاجوه" .. ولكن الصبح هو الذي يشعرنا بقسوة الظلام .. والبطش هو الذي يشعرنا بسماحة الرحمة، والسجون هي التي تشعرنا بقيمة الحرية.
قال : ولكن تاريخنا فيه جوانب ظلم وظلام كثيرة.
قلت : وفيه نقاط ضوء أكثر..
إذا تذكرت بطش الحجاج ، فتذكر عدالة عمر بن عبد العزيز . وإذا تذكرت قبح أبى جهل .. فتذكر شهامة خالد..وإذا تذكرت نقائص أبى لهب فتذكر كمال عمر ....
قال : ولكن تاريخ العرب يحتاج إلى مراجعة شاملة .. في الغرب تجد لكل فترة رجالها وأحداثها وقضاياها... ولكن ماذا في تاريخ العرب غير الدماء..؟
قلت لصديقي الجاهل : في تاريخ العرب فترات مجد كثيرة ولكننا ننسى .. تذكر أن خالد بن الوليد اكتسح جيوش الروم والفرس ، وأن عقبة ابن نافع وقف على حدود الاطلنطى .. وإن طارق بن زياد وصل إلى حدود فرنسا .. تذكر يا صديقي ابن رشد والغزالي .. وابن سينا والفارابي والبخاري والشافعي وابن حنبل وأبا حنيفة النعمان وابن خلدون وابن الهيثم.. تذكر صلاح الدين ..هذا النموذج الانسانى الرائع في الصبر والتسامح والقوة، ضع يا صديقي خالد بن الوليد بجوار كل قادة الغرب العسكريين ابتداء من نابليون وروميل ومونتجمرى ستجد أنه يزنهم جميعاً ..وأضف إلى هذا أنه سيف الله المسلول..
ضع يا صديقي ابن رشد والغزالي وابن خلدون أمام هيجل وماركس ..و" كانت" ستجد أنهم أكبر قدراً وأعظم أدواراً..ضع المتنبي والمعرى والجاحظ وحسان وابن أبى ربيعة والبحتري والعقاد وشوقي ومحمد عبده والافغانى وطه حسين والحكيم ونجيب محفوظ ..ستجد أن هؤلاء جميعاً ليسوا أقل من شكسبير وبودلير ودانتى وجيته وفيكتور هوجو وألبير كامى وسارتر وبيرون وشيلى..ضع يا صديقي فنون العمارة بكل أنواعها وطقوسها والفن والطب والفلسفة.. ستجد أن الثقافة العربية كانت أغنى وأعظم.. ولكن الزمان تغير.
قال صديقي: وما الذي تغير فينا ؟
قلت : تغيرت معادن البشر.. تراجع الإيمان .. وتكسرت الصلابة.. وغابت ظلال العدل.. وتقهقرت جيوش الحق، وسقطت الحدائق تحت نيران القهر.. وتاهت العصافير في ظلمات السجون ، وارتفعت قامات الأقزام وهوت قامات الأشجار..
يا صديقي أنا على يقين أننا أمة عظيمة وأننا صناع حضارة وأن الخير فينا إلى يوم القيامة.. ويوم يختفي أشباح السجون، وسراديب المعتقلات، ونعرف ما بين أيدينا من قدرات، سنعود مرة أخرى ونصبح خير أمة أخرجت للناس.
مأساتنا أننا لا نقرأ التاريخ، والشعوب التي لا تعرف تاريخها شعوب فقدت ذاكرتها ولا تستحق أن تعيش..
اقرأ يا صديقي تاريخ أمتك..


"من كتاب عمر من ورق"

صباح الخيـــر أيها الحزن





صحوت من نومي فوجدت نفسي حزينا بلا سبب سألت نفسي: هل أغضبني أحد قبل أن أنام ؟ لا ..هل فقدت عزيزاً فأحزنني فقده ، لا ..هل أغضبت صديقاً فندمت على ذلك ؟ لا..هل طعنني صديق في ظهري فالمتنى خيانته ؟ لا..لمـــــــــــــــاذا إذن هذا الحزن الشفيق الهادئ الذي يغلف أحاسيسي في هذا الوقت من الصباح؟
ولم أجد جوابا مريحاً فسلمت بأنها زيارة عابرة من هذا الرفيق القديم الذي يطل علىَّ من حين إلى آخر فيطيل زيارته أو يقصرها حسب الظروف ثم ينصرف إلى حال سبيله .
وقد علمتني تجاربي أن أحسن استقباله وألاطفه حتى يرحل عنى بسلام ..ومن وسائلي في ذلك ألا أساله لماذا جاء..ولا متى سيرحل إذ ليس من حسن الأدب أن تسأل ضيفاً حتى لو كرهته لماذا جاء يزورك..وإنما عليك أن ترحب به وأن تكرم وفادته وأن تتجاهل السؤال عن موعد رحيله إلى أن يهمّ بالانصراف فتلحُّ عليه في الرجاء بأن يبقى حتى موعد الغداء..فيعتذر..وترجو فيعتذر ثم تضطر آسفا إلى قبول اعتذاره .


هكذا جلست بين يديه أحتسى القهوة وأفكر..ثم استأذنته بعد قليل في سماع شيء من الموسيقى يناسب المقام..فانسابت أنغام قطعة من الموسيقى الشرقية التي تثير الشجن هي سماعي العريان من مقامي البياتى ..وأشعلت سيجارة وقدمت له مثلها ثم غرقت في أفكاري ..إلى أن بدأ عليه أنه يهم بالقيام فألححت عليه في الرجاء بأن يتفضل بقبول دعوتي للغداء وربما للعشاء أيضا لكنه أعتذر بأنه مرتبط بموعد هام فودعته حتى باب الشقة واعتذرت له بأن مازال معطلاً ووقفت على السلم وأودعه ثم خطر لي وقد أصبح خارج مسكني أن أتجاوز حدود اللياقة قليلاً معه وأساله عن سر زيارته المتكررة لي في الفترة الأخيرة خاصة في الصباح فاستند إلى " الدرابزين " وقال لي بكبرياء : إنني لا ازور أحداً بغير دعوة ..فقلت : وهل دعوتك ؟ قال نعم !.قلت : كيف وأنا لم أتصل بك ولا أعرف لك عنواناً ؟ فقال : دعوتني في كل مرة زرتك فيها بغير اتصال حين تتجمع داخلك سحب الاكتئاب وتضيق ببعض ما تراه فلا تنفس عن نفسك بإعلان ضيقك وحين تكتم مشاعرك لكيلا تغضب الآخرين وحين تمضى نهارك وليلك بين الأوراق والمشاكل لا ترفع رأسك إلا لتتحدث في عمل .. ولا ترى من الشوارع إلا الطريق من بيتك إلى عملك وبالعكس ، ومن الدنيا إلا أصحاب المشاكل والمهمومين ، وحين تلهث دائماً وصدرك مشغول بأمر ينبغي أن يتم وأمر لم ينجز بعد وغاية لم تتحقق وحين تكون في حالة لوم مستمرة لنفسك تحسُّ معها أنك كنت تستطيع أن تفعل كذا ولكنك لم تفعل أو فعلت ولكن ليس بالمستوى الذي تتمناه وحين تحس بأنك عاجز في كثير من الأحوال وتتمنى لو كانت لديك قدرات خارقة تحل بها المشاكل وتلبى بها كل الرغبات ، وهكذا تتجمع السحب ببطء داخلك فأجد في بيتي بطاقة موقعة منك بالحبر السري تقول لي فيها " تفضل بزيارتي " فألبى نداءك رغم كثرة مشاغلي وارتباطاتي !.


دهشت مما قال وقلت مدافعاً عن نفسي : لكنى لست كما تصورني فأنا إنسان متفائل بطبعي وأدعو للتفاؤل بطبعي وللكفاح في الحياة وأومن بأن حياة الإنسان من صنعه ..وأن الحياة إرادة ولا أعلق أبداً فشلي على الحظ كما يفعل البعض ، لكنى لا أنكر دوره في الحياة ، فأنا أومن بالحظ وبالقدر والنصيب وأومن أيضاً أنها ليست كل شيء وأن الجانب الأكبر من نجاح الإنسان أو فشله يتحمله الإنسان وحده ..لهذا فإني أحس دائماً بأنه لا حد لقدره الإنسان لو صح عزمه. وأطرب كثيراً لحديث الرسول الكريم " لو تعلقت همة أحدكم بالثر يا لنالها " وأومن بأن على الإنسان أن يؤدى واجبه ويرضى ضميره ثم يترك الأمر بعد ذلك لله عز شأنه يُصرفه كيف يشاء ، لأن المهم هو ألا يقصر الإنسان في حق نفسه أما المستقبل فبيد الله وحده كما أنى أيضاً من المؤمنين بأن الإنسان يستطيع أن يبدأ من جديد في أية مرحلة من العمر ..وأن يصنع من الفشل بداية جديدة للنجاح وأن يطور من نفسه دائماً وأروى لمن يسألني من الشباب أن محمد على مؤسس مصر الحديثة بدأ يتعلم العربية وهو في الخامسة والأربعين من عمره وأن النابغة الذيبانى قال الشعر لأول مرة في حياته وهو فوق الستين ، وأن الفيلسوف الألماني شوبنهاور فاجأته الشهرة وهو يقترب من السبعين ، وأن الفيلسوف أفلوطين الذي ولد في أسيوط وعاش في روما لم يبدأ الكتابة إلا في سن الثامنة والأربعين بعد أن أكمل دراسته واكتملت له فلسفته التي عرفت بعد ذلك بالأفلاطونية الحديثة .
وأقول دائماً لزواري من الشباب ولنفسي قبلهم إن الدنيا تأخذ وتعطى ، وأن العقبات لا تحول دون النجاح ، وكثيراً ما نكون الدافع القوى له وأن المهم دائماً هو أن نشترك في مباراة الحياة بكل طاقتنا لكي نكون من الفائزين لأنك لن تفوز في أي مباراة إلا إذا كنت من اللاعبين أما الانسحاب قبل أن يبدأ اللعب فلا يحقق سوى الحسرة ، أقول ذلك وأومن به وانظر إلى الحياة دائماً بقلب يخفق بالأمل .


فلماذا تفرض علىّ صداقتك وتزورني بلا دعوة ؟
فسحب يده من يدي وقال لي مؤكداً للمرة الأخيرة : لقد دعوتني فلبيت الدعوة ..وليست هكذا أصول الضيافة ! ثم تهيأ للانصراف غاضباً فأثار ضيقي أنه مازال مصراً على أنى دعوته وعدت مسرعاً إلى الشقة لأبحث عن " قلة " أكسرها وراءه فلم أجد فأخرجت زجاجة مياه مثلجة وعدت سريعاً إلى السلم لأرمى بها عليه ورفعتها فسرت برودتها في يدي وذكرتني بعطشى وقلت لنفسي فجأة "خسارة فيه "ثم شربت حتى ارتويت وعدت مبتهجاً إلى شقتي !!


للاستاذ// عبد الوهاب مطاوع رحمة الله -


نقطة البـــداية




قال ألبير كامى كلمته الشهيرة " يكفيني أن أتعلم بصبر علم الحياة الذي يفوق في صعوبته ومرارته كل العلوم والفنون "

إن أكثر ما يستهوينى هو التعلم من تجارب الآخرين طبقا للمقوله.. من سمات الرجل أن يتعظ بتجارب غيره لا بتجاربه هو .. فالغبي من يخطئ ويكرر نفس الخطأ… والذكي الذي يتعلم من خطأه .. والأذكى هو الذي يتعلم من أخطاء الآخــــرين..

ومن خلال ما قرأت تأثرت بالعديد من شخصيات الأعمال الأدبية ، والعديد من الكتاب والأدباء وسردهم الشيق لما تحويه أعمالهم .. ومن خلال ما قرأت ما سطره الأستاذ عبد الوهاب مطاوع – رحمه الله- في إحدى كتبه عن شخصية الموظف البائس " جران " في رواية الطاعون للأديب الفرنسي ألبير كامى فقد كان جران يعيش وحيداً في شقته ويمضى الليل ساهراً منكباً على عمل مجهول وعندما أقترب منه الطبيب " ريو " وأصبح من أصدقائه باح له بسره العظيم !!



إنه يكتب أول عمل أدبي له ويحتم بأن يكون أديباً مشهوراً ، ويمضى الليالي الطويـــلة ساهراً يكتب ويشطب ويريد أن يبلغ بعمله الأول قمة الكمال حتى إذا ما انتهى منه وقرأ ه الناشر .. نهض مسرعاً من وراء مكتبه ورفع قبعته وقال للعاملين معه ، أرفعـــــــــــوا القبعات تحية لهذا العمل الكبير !!



وبسبب ذلك الحرص البالغ على أن تكون البـــداية مبهرة يمضى "جران" الأيام يفكر في كل حرف قبل كتابته.. ويحكى للطبيب شارحاً معاناته : إنه قد يكون من السهل الفصل بين "لكن " و " و " لكن من الصعب أن تفاضل بين " و" و "ثم" أما ما هو أصعب من ذلك فهو أن تعرف هل من الأفضل استعمال "و" أساساً أم لا !!




وظل هكذا يكتب ويبدل ويملأ الصفحات الطويلة تم ينحيها جانباً ويكتب غيرها ، وتمر السنوات بغير أن يكتب في عمله الكبير سوى سطراً منه:
" في صباح يوم جميل من أيام شهر مايو . كانت هناك فارسة جميلة تمتطى فرساً حمراء وتجوب بها غابة بولونيا المزهرة ".

ولا تسلم تلك الجملة من التغير والتبديل مع شرحِِ وافِِ لسبب كل تعديل ...
وتنتهي روايــة الطاعون ، والبائس "جران" لم يكتب سوى جملته ، ولم يبدأ خطوته الأولى في طريق تحقيق الأهداف !




وإذا تأملنا شخصية "جران" نجدها تعيش داخل العديد منا ولكن إذا توسعنا بالنظر من خلال المجتمع فنجد العديد ممن يسيرون على ذلك النهج العقيم ولا يؤمنون أن كل الطرق تؤدى إلى روما .
فمهما كانت البداية متواضعة أو أقل تواضعاً فالأهم ،، هو التمسك بأهدافنا وان نلهث وراءها إلى أن تتحقق ولابد أن تتحقق في يوم .
فالحياة لا تعطى لمن يعكس الآية ويريد الانطلاق من حيث نهاية الآخرين فالحياة تسير مع من تعب أولاً ، وليس مع أولئك الذين ينتظرون البداية المرموقة التي لا تأتى إلا بعد العديد من محاولات البدء .



فالحياة لا ترفع القبعات إلا للمكافحين الذين يسلكون طريق المحاولة مراراً وتكراراً بلا كللِِ ولا مللِِ .. إلى أن يصلوا إلى مرادهم المنشود بالعرق والدموع والكفاح... وليس أولــــئك الذين يتملكهم التردد والمفاضلة بين "ثم" أو " و" من أجل بدايةً صاروخية .. إلى أن تسقط وريقات البداية وتنتهي رواية العمر ولم يسطروا منها حتى الحرف الأول !!...


مستقبلى ورائـــــى !!





هل أنت خائف من المستقبل ؟...


بعض الشيء


وأنا كذلك.... لكنى..... أفكر !!


وما دمت أفكر فلا بد من أن أسلم بأن المستقبل غيب ...والغيب لا يعلمه إلا الله وليس من الحكمة أن أفسد حاضري لحساب المستقبل ..أو لحساب الماضي فلا بكائي على الماضي سوف يغير من واقعي ولا خوفي من المستقبل سوف يغيره أو يخط فيه خطاً جديداً.والخوف من المستقبل داء قديم عرفته البشرية منذ زمان طويل...فالإنسان مهموم دائماً بمستقبله كأنما سيعيش أبداً ...وهو في سن الصبا مهموم بمرحلة الشباب وفى سن الشباب مهموم بمرحلة الرجولة وفى سن الرجولة يخاف من الشيخوخة وفى سن الشيخوخة يخاف من الموت مع أنه " حاضر" دائماً في كل مراحل العمر ويمكن أن يهبط في آية لحظة.والإحساس المبالغ فيه بالمستقبل إحساس مرضى معروف يفقد معه الإنسان سلامة النفس ويحس دائماً بالقلق والتوجس ، والفقيه الدستوري دكتور عبد الرازق السنهوري كتب مرة يقول : ما تعبت لشيء أكثر من تعبي عندما أفكر في المستقبل !


والملك الحسن ملك المغرب سئل مرة في بداية توليه الملك في بلاده وهو في سن الشباب عن إحساسه بالمستقبل فقال كلمته الشهيرة التي أصبحت مثلاً " مستقبلي ورائي " يقصد أن مستقبله قد تحدد بماضيه وبالتالي فهو وراءه وليس أمامه ! .


وبعض الشباب في بلادنا يرون معه أن مستقبلهم وراءهم وليس أمامهم ...لأن صعوبات الحاضر قد قللت فرصهم لتحقيق أحلامهم في المستقبل ..فالماضي قد جني على الحاضر ...والحاضر سوف يجنى على المستقبل ...وسوف يغتال الأحلام ويقتل الطموحات .وهذا الإحساس قد يكون له مبررة في بعض الوجوه... لكنه في إجماله ليس صحيحاً لأن إرادة الإنسان أقوى دائماً من كل الصعوبات ..ولان كل إنسان يستطيع أن يسعى إلى تحقيق أهدافه ...وأن يبذل الجهد والعرق والدموع من أجلها...فإن نالها رضي عن نفسه وأن قصر الإمكانيات عن بلوغها فيكفيه شرف المحاولة لكي يرضى أيضاً لأنه لم يقصر في حق نفسه ولأنه قد " حــــــــــــــــاول "...وسوف يحاول مرة أخرى مؤمناً بأن على المرء أن يسعى وليس عليه إدراك النجاح وبأن :


ما كل يتمنى المرء يدركه .. تأتى السفن بما لاتشتهى السفن


وما أكثر ما أتت به الرياح مما لا تشتهى السفن ...ومع ذلك فقد حاولت السفن وغالبت وصمدت حتى إجتازت العواصف واستقرت في مسارها فوق الحياة الهادئة الآمنة...وفى كل الأحوال ،، علينا أن نرضى دائماً بما حققناه، وبما اخترناه لأنفسنا ، واختارته لنا الأقدار فالتوفيق في النهاية من عند الله ...وللحظ دور غير منكور في حياة البشر لكنه ليس الدور الوحيد أو الدور الاساسى ..


والملكة الكسندرا إحدى ملكات أوربا في العصور الوسطى كانت تدعو لابنها قائلة : " رب اجعل له حظاً يستخدم به أصحاب العقول ولا تجعل له عقلاً يخدم به أصحاب الحظوظ !! "


رغم اعترافي بدور الحظ في حياة البشر فإنى لا اتفق تماماً مع مضمون هذا الدعاء العجيب لان الحظ وحده لايكفى ، ولأنه أذا أفاد في بعض الحالات فلن يفيد في كل اختبارات الحياة .. فلا بد دائماً من العقل حتى ولو خدمنا به أصحاب الحظوظ في بعض الأحيان ولابد من الاستعداد الكافي لمواجهة معركة الحياة ولابد من الاستعداد الكافي لمواجهة معركة الحياة ولابد من الإرادة والكفاح والصبر لأن كل قصص النجاح التي تستهوينا هي غالباً قصص هذا المزيج العجيب العقل " أي العلم " والحظ والكفاح والإرادة والصبر والأمل والقدرة على تكرار المحاولة . وهو مزيج مر الطعم كمزيج الحديد والزرنيخ الذي تقدمه المستشفيات المجانية لمرضاها لكن مفعوله هنا أكيد ....وقبل ميلاد المسيح عليه السلام بخمسمائة سنة قال الإغريق : إن أفضل الأشياء هي أصعبها منالاً !!!


ومازالت هذه الحكمة صحيحة حتى الآن ...فما يتحقق بغير تجرع هذا المزيج المر لا تقدره غالباً حق قدره ولا نستمتع به..وغالباً ما نفقده بنفس السهولة التي جاءنا بها لأن ما يأتي سهلاً يضيع سهلاً كما يقول المثل الإنجليزي ...أما ما بذلنا من أجله العرق والدموع ...فإننا نتشبث به ونحافظ عليه ونبنى فوفه لأننا نعرف جيداً كم شقيناً لكي نناله...وكم سهرنا من أجله الليالي ...وفى كل مراحل العمر ...على الإنسان دائماً أن يحاول تحويل خسائره الشخصية إلى مكاسب فيحاول دائماً أن يبدأ من حيث فشل مؤمناً بأن قطرة الماء تثقب الصخر وأن " المستقبل " الذي يسعى إليه هو مشروع سنوات طويلة وليس مشروع أسابيع أو شهور ، وأن ما نعانيه من صعوبات أو الآم لـــــــــــــن تستمـــــــــــرإلــــــــــــــــى الأبــــــــــــــــــد ..وحتى لو استمرت فلقد حولها غيرنا من خسائر إلى مكاسب فلماذا لا نحاول مثلهم؟؟!!!


إن بعض المؤرخين يعتقدون أن الصعاب الشخصية التي واجهت بعض العباقرة والمشاهير هي السبب الاساسى في نبوغهم وفى شحذ إرادتهم لتحقيق ما حققوه ويرون أنه لم يولد الفليسوف الفرنسى ديكارت مريضاً عليلاً فترات طويلة في الفراش والذهاب متأخراً إلى الفصل ولما قضى ساعاته في الفراش متأملاً....ومفكراً ...وقارئاً...مما أهَّله فيما بعد لوضع فلسفته التي يعتبرونه بها أبا الفلسفة الحديثة...


ويرى بعض النقاد أنه من المحتمل جداً أنه لو لم يكن الشاعر الإنجليزي مبلتون أعمى لما كتب قصائده..وأنه لو لم يكن الموسيقار العبقرى بيتهوفن أصم لما ألف روائعه الموسيقية وأنه لو لم يكن الكاتبان الروسيان تولستوى ودستوفسكى والموسيقار تشايكوفسكى معذبين في حياتهم الخاصة لما ألفوا روائعهم الخالدة ...أما العالم الإنجليزي تشارلس داروين صاحب نظرية التطور فقد كتب هو نفسه يقول : لو لم أكن مريضاً طريح الفراش لما أنجزت ما أنجزت من أعمال ! .


ونفس الشيء يمكن أن نقوله عن طه حسين والعقاد وغيرهما من العمالقة الذين تحدوا ظروفهم الشخصية أو الاجتماعية...وشربوا هذا المزيج العجيب الذي ينبغي أن نوطن أنفسنا على أن نتجرعه حتى الثمالة ثم يحق لنا بعد ذلك أن نتساءل بقلب يؤمن بالله...ويطمع في رحمته...ويثق في عدالته..ويخفق دائماً بالأمل...


تــــرى..... ماذا تخبئ لنا أيها الغد ؟!!